![99]()
لم تسجل أغنية هاني شاكر «رمضان كريم يا حلب» سابقة لجهة خدمة نظام بشار الأسد، سواء كان ذلك عبر تجهيل المسؤول عما آلت إليه الأمور في سورية أو عبر التحسر على «مجدها» الذي «ضاع» بعدما كان «يبنى ويعلى».
فالأغنية التي أهداها شاكر الى الشعب السوري، والتي وفق ما كتب على صفحته الخاصة في فايسبوك هي «أغنية إنسانية» وليس لها أي توجه سياسي، احتفلت بها القنوات الداعمة للنظام فراحت تعيد بثها، تماماً كما حصل على مدى السنوات الماضية مع أغان أخرى، ادعت الحياد والخطاب الإنساني لتتماهى في شكل كامل مع الخطاب الرسمي للنظام.
الأمثلة كثيرة، منها على سبيل الذكر لا الحصر أغنية اللبنانية هبة طوجي «الربيع العربي» التي خصصت أكثر من مقطع للوضع السوري، محملة مسؤولية ما يجرى لسياسات «دول كبيرة» و «مقاتلين جاؤوا من ضيع بعيدة»، أو أغنية السوريتين فايا وريحان يونان «لبلادي» التي اعتبرت ما يجرى في سورية حرباً عبثية من دون تمرير فرصة التذكير بمحاولة التحرر من الاستبداد في العراق التي «أتت باستبداد أكبر».
لكن إذا كانت الأغنية لا تقدم جديداً على صعيد المضمون السمعي الداعم لوجهة نظر النظام، فهي من دون شك تتفوق على كل ما سبقها لجهة استخدام الصورة لهذه الغاية.
الأغنية، ظهر فيها شاكر وراء المايكروفون في الاستوديو متأثراً في شكل ميلودرامي، ومقطعة بصور قاسية من حلب، تم تجميعها من الإنترنت. حتى الآن لا شيء غير عادي. فشاكر ليس أول من استخدم صوراً من الإنترنت لإنتاج كليب من هذا النوع وهو من دون شك لن يكون الأخير.
المفارقة هي بأن بعض هذه الصور- إن لم نقل أغلبها- تم التقاطها من قبل مصورين معارضين للنظام، تحدوا كل الأخطار لنقل معاناة المدنيين طبعاً ولكن أيضاً لكشف الجرائم المرتكبة، بما فيها تلك التي يرتكبها النظام.
أن تستخدم هذه الصور نفسها في كليب يخرج خروجاً كاملاً عن إرادة وسلطة وحقوق من خاطروا بحياتهم لالتقاطها أمر ينطوي على عبثية هائلة، كان من الممكن تجاوزها لو أن أحداً من هؤلاء المصورين لم يعترض ولو أن شاكر لم يصر على تجاهل هذا الاعتراض.
سيقول قائل أن الخطأ بريء، وأن نية شاكر كانت حسنة. كان من الممكن تصديق ذلك لولا لقطة واحدة، تظهر في الكليب لمدة لا تتجاوز الثلاث ثواني، ولكنها تغير كل شيء.
اللقطة هي صورة ثابتة لمدفع هاون، مأخوذة من فيلم «معركة حلب» من إنتاج مجموعة أبو نضارة وقد تم تنزيله من موقع المجموعة على قناة «فيميو» رغم كونه غير متاح للتنزيل.
في بيان لها على صفحة فايسبوك، اعترضت المجموعة على «الانتهاك الموصوف للقانون» عبر استخدام صور خاضعة للملكية الفكرية في إطار ربحي ومن دون استئذان المؤلف وذكر اسمه».
يتابع البيان انتقاد توليفة الصور، في سياق يشير إلى أن من يسبب موت وعذاب الأهالي هو المدفع المحلي الصنع لا طائرات نظام بشار الأسد وصواريخه التي لم يشر اليها فيديو كليب هاني شاكر رغم ادعائه الحياد والدفاع عن الحق». اعتراض المجموعة لدى يوتيوب على خلفية خرقه لحق الملكية الفكرية أدى الى توقيفه.
كان من الممكن للأمور أن تنتهي عند هذا الحد. كان بإمكان شاكر إعادة النظر والتوقف قليلاً والتساؤل كم من المصورين الذين استخدمت صورهم تم استغلالهم وتزوير نواياهم، لتأمين المادة البصرية المجانية والضرورية لخدمة كليبه.
كان بإمكانه أن يحتار لعدم قدرته على الإجابة، وأن يسحب الفيديو ويعتذر.
اعتذاره الذي ما كان ليقلل من انحياز الأغنية لوجهة نظر النظام، كان على الأقل ممكن أن يخفف من الإمعان في استغلال مأساة الضحية المؤكدة من أجل الترويج لقضية جلاد مؤكد.
اختار شاكر التصعيد فايسبوكياً. تجاهل اعتراض متضررين مباشرين من كليبه. سخر من الشركة التي أوقفت كليبه «الهدية الإنسانية» بسبب لقطة لم تتجاوز ثلاث ثوان.
الآلاف من محبيه تضامنوا معه، انتقد بعضهم الشركة التي تحارب «فنه الراقي». ذهب بعضهم الى اعتبارها شركة وهمية لا تمثل الشعب السوري. شكرهم على موقفهم.
في موقف شاكر، ما يذكر بمقولة المخرج فرانك كابرا، «فلتقتلهم أفلامهم». ففي مقابلة أجريت معه في العام ١٩٨٤عن أفلام البروباغاندا «لماذا نقاتل» التي أخرجها قبل ذلك بأربعة عقود، تمهيداً لمشاركة الولايات المتحدة بالحرب العالمية الثانية، يخبر كابرا عن الرعب الممزوج بالإعجاب الذي تملكه لدى مشاهدته «انتصار الإرادة» باكورة أعمال ليني ريفنشتال وكيف انه قرر استخدام صور البروباغاندا النازية في أفلامه لغاية تتناقض في شكل كامل مع ما أعدت من أجله.
المشاهد التي اختارتها ماكينة البروباغاندا النازية للترويج لنفسها، استخدمها مخرج البروباغاندا الأميركية لإقناع جنود بلاده «بفظاعة» عدوهم و «أحقية قضيتهم».
يتحدث كابرا في المقابلة عن سلطة الصورة في فيلم ريفينشتايل، ونجاحها بقتل «أي رغبة في المقاومة». «قتل الرغبة بالمقاومة»، سواء كان الأمر مقصوداً أو لا، بعض ما ينجزه كليب رمضان كريم يا حلب، الذي يقارن بين صور «مجد» ما قبل الثورة وصور الدمار الذي خلفته.
لكن ريفينشتايل كانت تخرج أفلام بروباغندا للنازية وكابرا كان يخرج أفلام بروباغاندا لمصلحة المؤسسة العسكرية الأميركية وأعمالهما وان كانت أعمالاً فنية، فهي لم تدع انها حيادية، ولا أنها خالية من المعاني السياسية، ولا أنها «هدية» لأي شعب.
متابعة ما يجرى على صفحتي كل من شاكر ومجموعة ابو نضارة، تعيد الى الأذهان مشاهد الكليب، التي يبدو فيها شاكر متألماً أشد الألم. قد يكون من الممكن تجاوز قضية حقوق الملكية، حتى لو كان «أمير الغناء العربي» من اكثر الفنانين العرب غزارة إنتاجية وربحية (له وفق ويكيبيديا اكثر من ٦٠٠ أغنية). قد يكون من الصعب الوصول الى جواب شاف حول كل هذا الجهد الذي تم بذله من أجل قرصنة صور محمية قانونياً لخدمة قضية هي عكس ما أخذت من أجله. اما المستحيل، فهو التسامح مع الكم الهائل من الابتزاز العاطفي الحاصل.
رمضان كريم يا حلب. لك أبناؤك، تحضنين من بقي منهم، ويحتضون ما بقي منك، كل دقيقة، من كل ساعة وكل يوم. ولك مواسم العواطف الجياشة والدموع الجاهزة، في خدمة من لن يمنعهم شيء من استغلال أي شيء.
al hayat london